الرئيسية / أخبار / طه عبد الرحمان: “أخت العلمانية وفصل الدين عن نفسه”

طه عبد الرحمان: “أخت العلمانية وفصل الدين عن نفسه”

حدد الدكتور طه عبد الرحمان في مستهل حديثه في الندوة الافتتاحية لأعمال مركز مغارب، قيدين حصر بهما نطاق مقاربته، حيث ميز في القيد الأول بين الدهرانية التي لا تعادي الدين المنزل حتى يتبين كيف يتعاطى فصلها بين الأخلاق والدين مع الحقيقة الايمانية، والدهرانية التي تعادي الدين المنزل والتي تضع نفسها خارج مجال الايمان وبالتالي فهي لا تشملها هاته المقاربة. وأما القيد الثاني فهو تحديد أدنى قدر من المسلمات الدينية التي يمكن بناء النظر عليها في الدهرانية. فالخلو من المسلمات في أي مجال كان متعذر، فما الظن بمجال الدين والأخلاق الذي هو أعلق بحياة الانسان، وسمى هذه المسلمات الدنيا بالمسلمات السياقية وحددها في ثلاث:

المسلمة الأولى: ما أسماه بمسلمات تبدل الديني ومقتضاها أن الدين المنزل يتخذ صورتين، إحداهما الصورة الفطرية: وهي الصورة التي نزل بها هذا الدين أول ما نزل إيمانا واعمالا على النبي المرسل، والتي تتحد مع فطرة الانسان باعتبارها ذاكرة أصلية تحفظ آثار سابق اتصالها بالغيب وهذا يعني أن الوحي المنزل شرط ضروري في الصورة الفطرية.

والصورة الثانية: أسماها الصورة الوقتية، وهي الصورة التي يتخذها الدين في كل فترة تفصل أهله عن الرسول الذي جاء به، والتي قد تشهد ترسبات اعتقادية وتصورية وأيضا تأثرات مؤسسية وتقنينية، كل هذا يبعدا الدين قليلا اوكثيرا عن أصله الفطري، وتحد من إبداعه الروحي ونورانية رسالته. وهذا يعني أن النقص الروحي شرط ضروري في الصورة الوقتية.

والمسلمة الثانية: أسماها الدكتور طه عبد الرحمان مسلمة التخلق المزدوج: ومقتضاها ان كلتا الصورتين المذكورتين للدين تختص بوجه معين من وجوه الصلة بالأخلاق، فالأصل في الصورة الفطرية أن ينطلق الدين من داخل الانسان متجها إلى خارجه بحيث يورثه ابتداء اخلاق الباطن، ثم يبني عليها اخلاق الظاهر، بينما الأصل في الصورة الوقتية أن ينطلق الدين من خارج الانسان متجها إلى داخله بحيث يورثه ابتداء أخلاق الظاهر ثم يجعله يبني عليها أخلاق الباطن.

والمسلمة الثالثة: أسماها مسلمة الآمرية الالهية: ومقتضاها أن ما أمر به الإله عدل سواء أعقل المؤمن عللها ومقاصدها أم لم يعقلها، وما نهى عنه شر وظلم سواء أعقل المؤمن عللها ومقاصدها أم لم يعقلها، وأن إتيان المأمورات يحقق بالضرورة تخلقه، وإتيان المنهيات يحول بالضرورة دون تخلقه.

لكن الدهرانية ـ يقول الدكتور طع عبد الرحمان ـ تفصل الأخلاق عن الدين فصلا تختلف نماذجه باختلاف تفاعلها مع المسلمات المذكورة: مع التبدل الديني والتخلق المزدوج والآمرية الالهية وهي في هذا الاختلاف تسعى إلى تأسيس أخلاق مستقلة.

وحصر نماذج الدهرانية في الفصل بين الدين والأخلاق في أربعة نماذج أساسية هي:

النموذج الطبيعي: وخير من يمثله في القرن الثامن عشر الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو.

النموذج الثاني وهو النموذج النقدي وأفضل من يمثله الفيلسوف الألماني إمانوييل كانط في كتابه: “الأسس ماورائية للأخلاق” و “الدين في حدود العقل”.

أما النموذج الثالث فهو: النموذج الاجتماعي، ويمثله عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم وذلك في كتابه “التربية الأخلاقية”.

وآخيرا النموذج الناسوتي ويمثله الفيلسوف المعاصر المعروف لوك فيري. الذي أراد ان يؤسس ماسماه بالناسوتية الثانية وخاصة في كتابيه “الانسان الاله” و “ثورة الحب”.

ثم ناقش الدكتور طه عبد الرحمان هذه النماذج الدهرية في علاقتها مع المسلمات المذكورة، حيث استنتج أن النموذج الطبيعي وهو نموذج جون جاك روسو يقيم تضادا بين الدين الطبيعي والدين المنزل، ويقيم أيضا تضادا بين الدين الخصوصي باعتباره هو الدين الطبيعي والدين العمومي باعتباره نتاج المؤسسات البشرية التي غطت على الواجبات الأخلاقية والتي سماها بالصورة الوقتية. والدين الطبيعي عند روسو لا يأخذ بالوحي شاكا فيه بل ينكر أن يكون الاله قد أنزل كلاما بواسطة ملك فضلا عنه أن يكون قد اصطفى أحدا بكلامه. وينكر مبدأ الخلق باعتباره يجمع بين العدم والوجود. وبالتالي لا يمكن أن نقول بأن الدين الطبيعي هو دين الفطرة.

أما النموذج النقدي عند كانط فإنه يقابل بين الدين الطبيعي والدين المنزل كما يميز بين الدين الطبيعي باعتباره مدركا بصورة مباشرة لكل واحد والدين العالم باعتباره مدركا بواسطة العلم وحده. ويحدد كانط المواقف المتخذة من الدين الطبيعي فيرى أن العقلاني هو الذي يدعي بأن الدين الطبيعي وحده هو الدين الضروري للاخلاق وهو على نوعين العقلاني الطبيعاني وهو الذي ينكر الوحي، والعقلاني الخالص وهو الذي يسلم بإمكانية الوحي لكنه يرى أن الدين لا يشترط معرفة الوحي ولا يسلم بوجدوه. ويسمي الذي يقول ان الوحي ضروري للدين فوق الطبيعاني، ويقول بأن موقفي هو أنني عقلاني خالص، يعني سآخذ بالدين الطبيعي الذي يسلم بإمكانية الوحي ولكنه لا يوجب معرفة هذا الوحي ولا يوجب وجوده.

أما النموذج الثالث: وهو نموذج دوركايم فهو يقيم تضادا بين ما اسماه الدين الاخلاقي وهو عبارة عن اخلاق الدهرية والدين المنزل، كما يقيم تضادا بين الاخلاق الدينية والاخلاق الاجتماعية.

أما النموذج الرابع فهو النموذج الناسوستي مع لوك فيري الذي يقيم تقابلا بين مايسميه الديني الفلسفي أو الروحاني والديني التاريخي، فالدين الفلسفي هو الدين باعتباره استعدادا ماورائيا ملازما للانسانية لا ينفك عنها دون حاجة إلى الغيب. اما الديني التاريخي فهو الدين باعتباره وصفا اجتماعيا وسياسيا مرتبطا بلحظة تاريخية مخصوصة، أي تنظيما يخضع للتدهير أو كما يسميه “التأنيس الالهي”.

ثم نظر الدكتور طه عبد الرحمان للنماذج الدهرية الأربعة من جهة مسلمة التخلق فقال عنها:

أن روسو يرى أن القانون الالهي الذي يتضمنه الدين الطبيعي قانون أخلاقي صريح وأنه مبثوث بثا في القلب، ويرى أن ضمير الانسان هو الذي يرشده إلى هذا القانون متمتعا بعصمة لا يتمتع بها العقل، فقد يخطأ العقل لكن الضمير يقول روسو لا يخطأ. وهذا يعني أن روسو يقرن الدين الطبيعي بأخلاق الظاهر.

وكذلك كانط فقد فرق بين أخلاق الباطن وأسماها الاخلاق الداخلية وأخلاق الظاهر وأسماها بالأخلاق الخارجية.

وأما دوركاييم فكل الاخلاق عنده ستكون ظاهرية لأنه سيعتبرها كظواهر اجتماعية يتناولها البحث العلمي الموضوعي.

أما فيري فقد فرق بين نوعين من الأخلاق سمى أحدهما أخلاق الواجب، وسمى الثانية أخلاق الخلاص وتدخل فيها كل الأسئلة التي تتعلق بحياة الانسان ومسائله الوجودية التي تتعلق به. إلا أن هناك فكرة خطيرة في فكر فيري حيث يقول بأن الفلسفة الحديثة إنما هي دهرنة المفاهيم الدينية، حيث دهرن مفهوما خطيرا وأساسيا وهو ما يسمى بالتعالي.

بقيت المسلمة الثالثة وهي الآمرية الالهية وكيف تعاملت معها هاته النماذج.

فروسو ينكر الوحي والرسالة ولا أقل أنه يشك فيهما والشك في حق الألوهية ذاتا او أوصافا او أفعالا هو في حكم الانكار الصريح، ومن يشك في الوحي أو ينكره يلزمه أن يكون منكرا للآمرية الالهية. كما ان روسو لا يسلم بأن الشعائر الدينية منزلة ويختزل الشعائر كلها في أعمال القلب كما يختزل أعمال القلب في عمل واحد وهو الثناء باللسان على الاله دون الدعاء. ومن ينكر العمل بالشعائر المنزلة ينكر كذلك ان الاله أمر بالعمل بها وإذا ثبت أن روسو لا يقول بالآمرية الالهية وجب ان يقول بان الآمرية للإنسان وحده وهذا على التعيين ما تأكده المنزلة التي أنزلها الضمير حيث أسند إليه الصفات التي تسند أصلا للاله من عصمة وخلود وتأله وكمال كما جاء في مناجاته للضمير.

أما كانط الذي شغله تأسيس الأخلاق جعل هذا الآمر متمثلا في الارادة، يعني أن فعل الارادة ينزل منزلة الأمر الالهي بل حل محل الأمر الالهي.

أما دوركاييم فكان يرى أن الاخلاق الدهرية لا بد أن تستمد سلطتها من كائن أقوى واعلى من الجميع، لكن هذا الكائن ينبغي أن يكون غير الاله، فوجد ضالته في المجتمع باعتباره كيانا مستقلا.

أما فيري فيذهب بناسوتيته الثانية إلى أبعد مما ذهبت إليه الناسوتية الأولى ـ وهي ناسوتية القرن الثامن عشر وما قبلها ـ في إقامة الانسان مقام الاله بل يجعله يزدوجا به إذ وضع مصطلحا مركبا وهو الانسان الاله.

ثم يقول الدكتور طه عبد الرحمان ـ بعد الاستدلال على دعوى الفصل الدهراني ـ أي فصل الأخلاق عن الدين ـ يمكن أن نجمل ماتقدم فنقول بان هذا الفصل اتخذ أربع نماذج مختلفة: النموذج الطبيعي، والنموذج النقذي، والنموذج الاجتماعي والنموذج الناسوتي. وقد اختص كل نموذج منها بطريق معين في التعامل مع مسلمات التبدل الديني التي تميز بين الصورة الفطرية والصورة الوقتية ومسلمة التخلق المزدوج التي تميز بين أخلاق الظاهر والباطن. لكن هذه النماذج الأربعة اتفقت جميعها في الاعتراض على المسلمة الثالثة التي تقرر الآمرية الالهية. إذ أن كلها ردت هذه الآمرية وأنكرتها متخذة الآمرية الآدمية بديلا منها، وإن اختلفت مضامين هذه الآمرية الآدمية باختلاف النماذج، فالنموذج الطبيعي نسب هذه الآمرية إلى الضمير، والنموذج النقذي أسندها إلى الارادة، والنموذج الاجتماعي نسبها إلى المجتمع، والنموذج الناسوتي أسندها إلى الانسان الاله. وواضح أن إنكار هذه النماذج للآمرية الالهية هو الذي جعلها تفصل الأخلاق عن الدين وسينتهي ذاك إلى فصل الدين عن نفسه.

إذا نحن تأملنا مليا هذا الانكار للآمرية الالهية المشترك بين هذه النماذج الاخلاقية الأربعة ألفينا أن مرده إلى سبب رئيسي واحد وهو ما أسميه الجهل بالقدر الالهي “وماقدروا الله حق قدره”.

ويتبدى هذا الجهل بالقدر الالهي في تصورات فاسدة لعلاقة الاله بالانسان ونحصيها في أربع: التصور الخارجي والتصور التبعيضي والتصور التسيدي والتصور التجسيدي، وتشترك النماذج الاخلاقية الأربعة في هذه التصورات بأقدار مختلفة. بحيث غلب التصور الخارجي على النموذج النقذي والتصور التبعيضي على النموذج الطبيعي كما غلب التصور التسيدي على النموذج المجتمعي والتصور التسيدي على النموذج الناسوتي.

إن فصل الأخلاق عن الدين يرجع إلى كون النماذج الاخلاقية الدهرانية الأربع تنكر الآمرية الالهية وان إنكار الآمرية الالهية ينبني على تصورات باطلة لعلاقة الاله بالانسان. لأنها لا تقدر الاله حق قدره. وإذا بطلت هذه التصورات لعلاقة الاله بالانسان لزم ان يبطل القول بالفصل بين الاخلاق والدين، فما بني على باطل باطل مثله.

إن فصل الأخلاق عن الدين المنزل يؤدي إما إلى إلغاء الاخلاق واما إلى إلغاء الدين، اما إلغاء الاخلاق فإن بدلا منها هي الاخلاق النفسية وهي اخلاق بلا روح والأخلاق بلا روح كلا أخلاق، فلا تنفع إنسانية الانسان في شيء فيتردى إلى درك البهيمية.

وأما إلغاء الدين هو الدين الدهري، وهو دين بلا شهاد إلهي، والدين بلا شاهد إلهي كلا دين، فلا تنفع روحانية الإنسان في شيء، فيتردى إلى درك الشيطانية.

وويختم الدكتور طع عبد الرحمان مقاربته بالقول أن الدهرانية التي هي صورة دنيانية تختص بفصل الأخلاق عن الدين اتخذت أربع نماذج أخلاقية كلها ترد الآمرية الالهية وهي:

· النموذج الطبيعي الذي يستبدل بها آمرية الضمير.

· والنموذج النقدي الذي يستبدل بها آمرية الارادة.

· والنموذج الاجتماعي الذي يستبدل بها آمرية المجتمع.

· والنموذج الناسوتي الذي يستبدل بها آمرية الانسان الاله.

وقد تبين أن السبب الذي دعى هذه النماذج الدهرية إلى رد الأمرية الالهية هو انها بنيت على تصورات فاسدة لعلاقة الانسان بالله، وهي التصور الخارجي الذي ينزل على هذه العلاقة الروحية المقولات المادية لعلاقة الانسان بالعالم والتصور التبعيضي الذي يجتزئ من الدين بعض الصفات الالهية وبعض الأحكام، والتصور التسيدي الذي يحصر علاقة الانسان بعالم الأشياء في امتلاكها واستهلاكها، والتصور التجسيدي الذي يجعل الانسان يتشبه بذات الاله ويشترك معه في فعل الخلق. فتحتم علينا بناء نموذج اخلاقي جديد لا يقع في فساد التصور الذي وقع في هذه النماذج الدهرانية وقد تسمى بالنموذج الائتماني واختص بالأخذ بمبادئ أخلاقية خمسة وهي مبدأ الشاهدية وهو يخرج الانسان من مشقة التخلق إلى متعة التخلق، ناقلا القيم الأخلاقية إلى رتبة القيم الجمالية. ومبدأ الآياتية؛ وهو يخرج الدين والعالم من ضيق الظواهر وانفصالها إلى سعة الآيات واتصالها. ومبدأ الادعائية؛ الذي يخرج الانسان من التسلط على الأشياء والترفق بها مقللا حقوقها على حق الذي ملك أمرها. ومبدأ الفطرية؛ الذي يرد التخلق الظاهري إلى أصوله في أغوار الباطن مستبدلا بالتخلق النفسي التخلق الروحي. ومبدأ الجمعية؛ الذي يخرج الانسان من تخليق ذاته بعضا إلى تخليقها كلا باطنا وظاهرا حتى يسترجع الانسان انسانيته كاملة غير منقوصة، كما يسترجع روحانيته المنقوصة واسعة غير محصورة.

عن maghareb

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *